الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

78

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ذلك عليه ، فلمّا دخلوا مكّة على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أكثروا الشكاية منه عليه السلام . فأمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم مناديا ينادي في الناس « ارفعوا ألسنتكم عن علي بن أبي طالب فإنهّ خشن في ذات اللّه - عزّ وجلّ - غير مداهن في دينه » فكفّوا ( 1 ) . « لم يكن لأحد فيّ مهمز » أي : محل عيب . قيل للصادق عليه السلام : إنّ قوما هاهنا ينتقصون عليّا عليه السلام . قال : بم ينتقصونه لا أبا لهم ، وهل فيه موضع نقيصة . واللّه ما عرض لعليّ عليه السلام أمران قط كلاهما للهّ طاعة إلّا عمل بأشدّهما وأشقّهما ، ولقد كان يعمل العمل كأنهّ قائم بين الجنّة والنّار ، ينظر إلى ثواب هؤلاء فيعمل له ، وينظر إلى عقاب هؤلاء فيعمل له ، وان كان ليقوم إلى الصلاة ، فإذا قال « وجّهت وجهي » تغيّر لونه حتّى يعرف ذلك في وجهه ، ولقد أعتق ألف عبد من كدّ يده كلهم يعرق فيه جبينه وتحفى فيه كفهّ ، ولقد بشّر بعين انبعثت في ماله مثل عنق الجزور . فقال : « بشّر الوارث . بشّر الوارث » ثم جعلها صدقة على الفقراء والمساكين وابن السبيل - الخبر ( 2 ) . « ولا لقائل فيّ مغمز » أي : موضع طعن . وإنّما أراد عمر الغمز فيه عليه السلام كباقي ستة الشورى فلم يجد شيئا ، فاضطر إلى أن يستهجن فضائله عليه السلام فأخرج حسن خلقه عليه السلام في لباس سوء ، فسماّه دعابة وتبعه عمرو بن العاص ، وأراد معاوية همزة عليه السلام . ففضح نفسه والمؤسّسين له فكتب إليه عليه السلام : « انك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى بايعت أبا بكر » ( 3 ) فأجابه عليه السلام : « لقد أردت أن تذمّ فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت ، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن

--> ( 1 ) رواه المفيد في الارشاد : 91 و 92 والنقل بتلخيص . ( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 373 ، شرح الخطبة 57 . ( 3 ) هذا المعنى جاء في رواية ابن مزاحم في وقعة صفين : 87 ، والشريف الرضي في نهج البلاغة 3 : 33 ، الكتاب 28 ، وابن أبي الحديد في شرحه 3 : 457 ، شرح الكتاب 28 ، وأقرب الألفاظ لابن مزاحم .